حبيب الله الهاشمي الخوئي

263

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

( والدّنيا كاسفة النّور ) استعار النور للعلم المقتبس من الأنبياء والحجج بشباهة أنّ كلَّا منهما سبب لهداية الأنام في الضّلالة والظلام ، ورشّحها بذكر الكسف الذي من ملايمات النّور وأراد به عدم وجود هذا النّور في ذلك الزمان ( ظاهرة الغرور ) أراد ظهور اغترار النّاس بها وشيوع افتتانهم بشهواتها ولذاتها ( على حين اصفرار من ورقها واياس من ثمرها واغورار من مائها ) شبّه عليه السّلام الدنيا بشجرة مثمرة مورقة في اشتمالها على ما تشتهيه الأنفس وتلذّ الأعين على سبيل الاستعارة بالكناية وذكر الورق والثمر والماء تخييل . وإثبات الاصفرار والاياس والاغورار ترشيح ، وأراد بتلك الترشيحات بيان خلوّ الدنيا يومئذ عن آثار العلم والهداية وما يوجب السعادة في البداية والنهاية . ويمكن جعله مركَّبا من استعارات متعدّدة ويكون المراد بيان خلوّ الدنيا حينئذ من الأمن والرّفاهية والمنافع الدّنيوية ليكون ما يذكر بعده تأسيسا . وتوضيح ذلك الوجه ما ذكره الشارح البحراني حيث قال استعار لفظ الثمرة والورق لمتاعها وزينتها ولفظ الاصفرار لتغيّر تلك الزينة عن العرب في ذلك الوقت وعدم طراوة عيشهم إذا وخشونة مطاعمهم كما يذهب حسن الشّجرة باصفرار ورقها فلا يلتذّ بالنّظر إليها ، وعنى بالاياس من ثمرها انقطاع مآل العرب إذا من الملك والدّولة وما يستلزمه من الحصول على طيبات الدّنيا . وكذلك استعار لفظ الماء لموادّ متاع الدّنيا وطرق لذّاتها ولفظ الاغورار لعدم تلك الموادّ من ضعف التجارات والمكاسب وعدم التملَّك للأمصار وكلّ ذلك لعدم النظام العدلى بينهم وكلَّها استعارات بالكناية ووجه الاستعارة الأولى أنّ الورق كما أنّه زينة الشّجر وبه كماله كذلك لذّات الدّنيا وزينتها ، ووجه الثّانية أنّ الثمر كما أنّه مقصود الشجرة غالبا وغايتها كذلك متاع الدّنيا والانتفاع به هو مقصودها المطلوب منها لأكثر الخلق ، ووجه الثّالثة أنّ الماء كما أنّه مادّة الشجرة وبه حياتها وقيامها في الوجود